الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
131
مناهل العرفان في علوم القرآن
كان عليه وعلى أمته معه . وقد نسخ قبل أن تعلم به الأمة . وعلى تسليم صحة هذه الزيادة لا نسلم أن ذلك كان فرضا على العزم والتعيين ، بل فوض اللّه تعالى ذلك إلى اختيار الرسول ومشيئته . فإن اختار الخمسين فرضها ، وإن اختار الخمس فرض الخمس . وندفع هذه الشبهة ( أولا ) بأن خبر المعراج ثابت من طرق صحيحة متعددة ، لا من طريق واحد . وإنكار أهل الأهواء والبدع له ، لا يغض من قيمة ثبوته ، بل يغض من قيمتهم هم . قال عبد الظاهر البغدادي : وليس إنكار القدرية خبر المعراج إلا كإنكارهم خبر الرؤية والشفاعة وعذاب القبر والحوض والميزان . والخبر الصحيح لا يرد يطعن أهل الأهواء كما لم يرد خبر المسح على الخفين بطعن الروافض والخوارج فيه ، وكما لم يرد خبر الرجم بإنكار الخوارج له . ( ثانيا ) أن هذه الزيادة ثابتة في الصحيحين وغيرهما . وعلى فرض خلو بعض الروايات منها ، فإن ذلك لا يضيرها لأن زيادة الثقة مقبولة ، وهذه رواية ثقات عدول ضابطين بلغوا شأوا بعيدا من الثقة والعدالة والضبط ، حتى روى البخاري ومسلم عنهم في صحيحيهما ، وحسبك برجال البخاري ومسلم في الصحيحين . ( ثالثا ) أن قولهم : هذا نسخ للحكم قبل تمكن الأمة من العلم به ، لا يفيدهم شيئا ، لأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم فرض اللّه عليه الخمسين صلاة في كل يوم وليلة كما فرضها على أمته . وقد علم الرسول بذلك طبعا ، ونسخ اللّه هذا الفرض بعد علم الرسول به وقبل تمكنه من امتثاله . وذلك كاف في إثبات ما نحن بسبيله من نسخ الطلب قبل التمكن من الامتثال . ( رابعا ) أن قولهم : إن فرض الخمسين لم يكن فرضا عزما ، كلام فاسد لا برهان لهم به ، بل نفس الرواية ترد عليهم ، وتثبت أن الأمر لم يوكل إلى مشيئة الرسول ، إن اختار الخمسين فرضها اللّه خمسين ، وإن اختار الخمس فرضها اللّه خمسا كما يزعمون . ذلك أن اللّه قال له في هذا المعرض : « فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة » وقبل الرسول